هل البوذية دين متشائم؟

  •  
  • 276
  • 2
  • 2
  • Arabic 
Sep 15, 2012 03:11 religion Buddhism essay academic arabic
أهلا!
هذا قطعة من مقالة كتبتها حديثا بالعربية المعاصرة. أرجوكم أن تقدموا أفكاركم وآرائكم في النحو والمفردات وأسلوب كتابتي كلها وأتمنى أن أقرأ مقترحاتكم لاحقا.

شكرا!



هل البوذية دين متشائم؟

البوذية دين من الأديان الكبرى والأكثر منتشرا في العالم, يعود تاريخها إلى حوالي القرن السادس قبل المسيح ولا يزال تأثيرها يلعب دورا مهما في تشكل عدد من أعظم الحضارات الإنسانية. كان العالم الغربي جاهلا لوجودها جهالة تامة لمدة طويلة, ولكن تزداد معرفته بها بسرعة خاطفة منذ أيام الإستعمار حتى أصبحت جزء ثابتا من ذاكرتنا المشاعة المشتركة. وعلى الرغم من كل هذا – وقد يكون بسببه إلى حد ما – تنتشر الإعتقادات الخاطئة فيما يتعلق بعقيدتها وبعض أهم مبادئ فلسفتها. الفكرة القائلة بأن البوذية دين متشائم من أسواء الفهم السائرة هذه ويعتمد على فهم ناقص لأسس الميتافيزيقا وعلم النفس وعلم الأخلاق البوذية التي تختلف عن نظيرها المسيحية الغربية من ناحيات عديدة مهمة من جهة, وعلى تاريخ المقابلات الشرقية الغربية من جهة أخرى. وإذا توفرت الاختلافات فمن الصحيح أيضا أن تشترك هذه الديانة الشرقية القديمة في عدة سمات الأديان الإبراهيمية المهمة. في هذه المقالة القصيرة أتمنى أن أوضح هذه الإختلافات والتشابهات وعن طريقي التحليل ومقارنة سوف أظهر أن البوذية ليست دين متشائم, بل هي رؤيا متفائلة لقدرة الإنسان على تحرير نفسها من دورة الخلق والتناسخ وكوزمولوجيا تخليصية ليست فيها سعادة كل الكائنات وتحررها إمكانية وحسب, بل ضرورة حتمية.

نشأت البوذية في المنطقة التي بين الهند ونيبال المعاصرتين قبل ألفين وخمس مئات عاما حوالي وكان حركة رهبانية قائمة على تعاليم معلم روحي يسمى “البوذا” ومعناها “المتيقظ” أو “المستنير” أي إنسان وصل إلى الحقيقة والتخليص من دورة الانبعاث. حسب المصادر البوذية كان إسمه الأصلي سيدهارتا غوتاما وكان أمير مملكة صغيرة تربى في قصور فاخرة ولم يجضع على أي ألم أو معاناة حتى بلغ سن التاسعة والعشرين عندما ترك حياته اللطيفة وبدأ بحثه عن أصل المعاناة وعلاجها. قضى غوتاما ست سنوات من الزهد والتقشف في تجريب كل أنواع من الممارسات الروحية القاسية التي كان يشيع في الهند القديمة وكان يدرس على أيدي أبرز معلمين زهاد في تلك الأيام. وبعد أن أتقن غوتاما كل ممارسة معروفة واستوعب كل فلسفة شائعة ولم يبق له أي معلم ولا مرشد وما زال يبحث عن الجواب لمسألة المعاناة والموت فأزداد زهدا حتى أن يكاد يموت. فقد قرر في تلك اللحظة بالتوقف عن الزهد واقتنع أن الطريق إلى التخلص لا بد من أن يقع خارج الملذات الدنيوية وقسوات التزهد كليهما. وقد استقر جالسا تحت شجرة التين لكي يتأمل وصمم على أن يبقى في مكانه حتى أن يصل إلى الحقيقة أم يموت. وأخيرا في ليلة البدر وهو متأمل تحت الشجرة وصل غوتاما إلى الحقائق النبيلة الأربع وهي حقائق المعاناة وأصلها وإيقافها والطريق الذي يؤدي إلى إيقافها. فقد أصبح غوتاما مستنيرا والحقائق الأربع التي وصل إليها في تلك الليلة لا تزال أسس البوذية في مختلف مذاهبها وأنواعها حتى اليوم.

ومن المحتمل تماما أن معظم هذه القصة ليست دقيقة تاريخيا بل أنها أسطورة ديننة إلى حد كبير كما يقول العديد من الباحثين في الدراسات البوذية. ومع ذلك لا تزال مصدرا أساسيا لفهم الأفكار والعبادات البوذية حيث أنها تروي, وحتى إن كانت من نشج الخيال تماما, حياة البوذا من ولادته إلى لحظة تيقظه وعلى هذا فإنها المثل الأعلى للطريق البوذي في كل مرحلته كما أنه يقدم التلخيص التقليدي للفلسفة البوذية أيضا. وهذه الفلسفة فهي أن الحياة لو كانت ممتلئة بكل ملذات يمكن تفكيرها لما تقدم إلا رضاء مؤقتا وإنما الطمأنينة الداخلية لا يمكن الوصول إليها عن طريق إشباع كل شهوة قد تخطر على بال الإنسان, لأن شهوات النفس لا عدد لها ولا حد. ومع ذلك فليس التزهد والامتناع من الملذات الدنيوية وحده الطريق إلى أيقاف المعاناة كما تشير إليه قصة سيدهارتا غوتاما. تبعا لبوذا فيجب على الطامح إلى الخلاص أن بتدبر في حقيقة الأشياء بدقة وأن يتأمل وأن يعيش حياة أخلاقية أي, بمعنى آخر, يتكون الطريق البوذي من ثلاثة أجزاء هي الحكمة والتأمل والأخلاق. وهذا ما تعبر عنه الحقائق الأربع: إن الحياة معاناة. إن الأصل في منشأ المعاناة هي التمسك بالحياة. إن التخلص من المعاناة هو عدم التعلق بالحياة. وإن الطريق إلى التخلص من المعاناة هو الطريق النبيل ذو الفروع الثمانية.