دور الإسلام في تاريخ علم الفلك

  •  
  • 80
  • 3
  • 3
  • Arabic 
Dec 4, 2015 02:52 astronomy Islam Arabic inventions science history
دور الإسلام في تاريخ علم الفلك

بطبيعيتنا البشرية نفضل عادةً التفكير الثنائي. بعبارة أخرى، أسهل طريقة لفهم الواقع هي تقسيم كل أمر إلى جانبين. من أقدم الأمثلة على هذا هو التوتّر بين الأديان والعلوم، بين الإيمان و المنطق. من جهة كان و ما زال هناك توتّر حقيقي بينهما ولكن هذه الصورة ناقصة. في هذا النص نلقي نظرةّ على الانسجام بين الإيمان و العلوم خلال عصر الإسلام الذهبي وفوق هذا كله دور الإسلام المركزي في تطوّرات عظيمة في علم الفلك والفيزياء الكثير منها تستمرّ بتأثير في الفهم العلمي للأرض والنظام الشمسي وبلا مغلاة الكون بالكامل.

لّما يتحدّث المؤخرون عن عصر الإسلام الذهبي يصفون تفرة من القرن الثامن (ميلادي) إلى الثالث عشر تقريباّ، فيها حقّق العالم العربي تقدّماً غير مسبوق في الفنون والعلوم والرّياضيات والفلسفة والسياسة. طوال ذلك العصر حكم نظام الخلافة االعالمَ العربيَ، بدئاً الخلافة العباسية التي تركّزت عاصمتها في بغداد. كذلك يُعتبر سقوط البغداد على يد المغول في عام ١٢٥٨ النهاية لعصر الإسلام الذهبي.

ما هو تراث هذه خمسة قرون من حيث علم الفلك؟ و ماذا يعلّمنا عن العلاقة عندئذٍ بين علم الفلك و الإسلام؟ تسبّقت الساعة الشمسية عصر الإسلام الذهبي بقرون كثيرة، وإنّها من أصل إغريقي أو هندي ولكن المجتمع المسلم تطلّب من هذه الآلة العتيقة مستوً أعلى دقّةً من أجل العلم بساعات الصلاة. إذاً تحوّلت آلة بسيطة إلى جهاز رياضي موجود عند معظم المساجد وفي القرن التّاسع العالم الفارسي العظيم محمد بن موسى الخوارزمى، الذي استحدث نظام الأرقام العشري إلى ليس الشرق الأوساط فحسب بل أوروبا كذلك، ملأ كُتُبَ كاملةً بتصاميم للساعة الشمسية وجداول عددية لاستخدامها. لولا تقاليد الصلاة الإسلامية لما كان هناك دفع عن تحسين الساعة الشمسية.

أظهر المسلمين نفس القدر من الاهتمام بدقّة ملاحية خصوصاً وأنّ حضارتهم قد انتشرت بعيداً من مكة المكرمة: لم يكُن من السهل إيجادة القبلة. أتى الحلّ من بحث عن آلة قديمة أخرى، الاسطرلاب. مثل الساعة الشمسية هو غير عربي أصلاً ولكن طوّره المخترعون المسلمون (بعضهم عرب و بعضهم غيره) إلى مستو جديد تماماً. على سبيل المثال عالم الفلك الفارسي عبد الرحمن صوفى، الذي لاحظ مجرّة أخرى أولاً تسجيلاً في تاريخ البشر، سجّل ألف استخداماً للأسطرلاب بما في ذلك إيجادة القبلة مسح الأراض و ضبط الوقت و قياس طول الجبال و تحديد ساعات الصلاة. مرّة ثانية لم يعارض الإسلام استعلام وإبداع وإنما تشابك معهما.

لا شكّ أنّ الإسلام سمح العلوم خلال عصره الذهبي وقد يستحقّ تقديراً إلى حدّ ما لتقدّم علمي من خلال القبلة و الصلاة وتحديد بداية شهر رمضان. ولكن هل يوجد دليل على تأثير هذا الدين أكثر مباشرةً في علم الفلك؟

في الحقيقة يبدو أنّ القرآن يشجّع على اهتمام بالفضاء وحتى استعلام فلكي ليس للأسباب المنفعية فقط (صنع تقويماً لشهر رمضان، مثلاً) بل أسباب تجريدية و عميقة كذلك. سورة آلِ عمران، آية ١٩٠:

<إنّ في خلق السموات و الأرض و اختلاف الّيل و النهار لأيات لأولىِ الألبابِ>

يوجد الكثير من آيات مواضيعها مشابهة في سور الذاريات والأنعم و النّحل و يونس والنارعات والطارق والشمس والليل. إذاً علم الفلك يرتبط بالإيمان وبالتوحيد. سورة الرعد, آية ثانية تدلّ على أهميته من جديد:

<الله الذى رفع السموات بعير عمد ترونها ثمّ استوى على العرش و سخّر الشمس و القمر كلّ يجرى الأجل مُسمّى يُدبِّر الأمر يُفصِّل الأيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون
<

هذه الروابط القوية نجمت عن بيئة ممتازة للعلماء المسلمين خلال عصر الإسلام الذهبي فيها بحث فلكي واسع النطاق كان مسموحاً و مموّلاً. من أهم مموّلين خليفة أبو جعفر عبد الله المأمون الذي حكم الخلافة العباسية من بغداد في القرن التاسع. أسّس أحد من أشهر و أكبر المكتبات في الحضارة العربية اسمها بيت الحكمة.

ذُكِر من قبل أنّ الخلفاء من عصر الإسلام الذهبي رحّبوا التقد العلمي بشكل عام، بمعنى أن اُعتبرت المعرفة ذات قيمة بطبيعتها وإن كانت قليلةَ فائدةً. يبدو أنّ أهمية روحية و دينية كان لها علمُ الفلك هي أدت إلى بيئة تفضية و إلى التفكير الإبداعي والمبتكر. للآخر ثُلث النص نلقي نظرةً على تطوّرات فكرية في علم الفلك أثناء عصر الإسلام الذهبي ليست مفيدة بصورة يومية ولذلك ليست من الممكن سوى بتلك البيئة الفكرية الفريدة.

طوال هذه الفترة آمن كل شخص بالنظام الشمسي البطوليموسي فيه الأرض مركزة و تدور الشمس وبقية الكواكب حولنا. بالرغم من أنّ العلماء المسلمون لم يدحضوا هذا النموذج فشكّواه ل انتقدوه و سجّلوا المعطيات السماوية التي أخيراً ساعدت انقلاب هذا النموذج على يد كوبرنيكوس في القرن السادس عشر.

مبكرا في عصر الإسلام الذهبي قام في الرقة محمد بن جابر بن سنان البتاني بنقد نتائج بطوليموس و بتعديل أفكاره عن النظام الشمسي. على سبيل المثال اكتشف حركات في قبا الشمس بمعنى أقصى نقطتين على طول مدار الشمس تتحركان تدريجياً. بالإضافة إلى ذلك، استعمل علم المثلثات في حسابات فلكية بشكل مبتكر و تخصّص في تسجيل مبادرة الأرض، وجه دورانها المعقد. ساهم أيضا إلى فهمها للميل المحوري، يعني من مائل الأرض على محورها ونتائج هذا المائل للفصول. ذُكِر اسمه ثلاث و عشرين مرّة في تحفة كوبرنيكوس De revolutionibus orbium coelestium
و يُعتبر البتاني من أهم الشخصيات في تاريخ الرياضيات والعلوم.

من الجامع الأموي في دمشق، عالم ابن شاطر قام بتعديلات شديدة لنموذج بطوليموس و صمّم ساعة شمسية مذهلة لمئذنة هذا الجامع. كانت مهنته الرسمية <مؤقت> مما يعكس العلاقة القريبة بين علم الفلك و الإسلام فضلاً عن قُرب الجوامع من المراصد عبر العالم العربي:تخطيط المدن بذاتها في هذا العصر يكشف تداخل مفقود بين الإيمان و العلوم.

مصطلح مهم بالنسبة لعصر الإسلام الذهبي هو <زيج> بمعنى نوع معيّن من الكتاب فيه جداول و سجّلات فلكية. من أكثر الزيجات أهميةً هو <زيج ايلخانى> لمحمد بن محمد بن الحسن طوسى الذي اُستعمِل لحساب مواضع الكواكب. و قبل غاليليو غاليلي بثلاثة قرون الطوسى تكهّن بلا تلسكوب أنّ مجرّة درب التبانة تحتوي في الحقيقة عدداً ضخماً من النجوم المنفصلة البعيدة.

انتقد بطوليموس كذلك العالم العراقي أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم الذي عمل في القاهرة في القرنين العاشر و الأحد عشر تحت الفاطميين، و ادّعمى بأنّ الجسوم السماوية التي تبدو ثابتةً قد تكون أبعد من الأرض، خاصةً مجرّة درب التبانة التي لا تتحرّك على الإطلاق. في عام ١٢٨٤ عالم آخر اسمه قطب الدين محمود بن مسعود شيرازى اقترح مبكّراً أنّ الشمس قد تكون مركزةَ نظامنا الشمسي.

اشتهر المسلمون بسجّلات دقيقة جداً بعضها ما زلنا نستخدم في علم الفلك المعاصر، مثل أعمال أبو ريحان بيرونى بخصوص الخسوف و حركات القمر و تسارُعها. عمل البيروني في غزنى (شرق أفغانستان) تحت الدولة الغزنوية الإسلامية.

كان مدينة سمرقند مركزةً مهمّةً أخرى خلال عصر الإسلام الذهبي بما أنّ على قوشحى تصدّر فريقاً بحثياً هناك حلّل حركات المذنبات وكوكب عُطارد. بالإضافة إلى ذلك نُصِب له الفضل في تحرير علم الفلك من الفيزياء الأرسطية الأمر الذي يُعتبر ثورة في هذا المجال.

آخر سؤال: لماذا تدهورت العلاقة بين العلوم و الإسلام ولماذا نعتبرهما جانبين معكسين في الوقت الحاضر؟ هذا السؤال في الحقيقة يستحق مقالةً آخرىً ولكن هُنا يكفي الاستشهاد بدكتور ضياء الدين سردار من لندن الذي يصف تغيرات تاريخية في وجه نظر الشيوخ تجاه اكتشافات علمية و التفكير النقدي. إنّه من الممكن أن نعمم أن العلاقة المعاصر بين العلوم و كل الأديان تقريباً هي عدائية أو حيادية في أحسن الأحوال. كما هو من المواضح، عصر الإسلام الذهبي أظهر الإمكانيات العظيمة لهذه العلاقة و ما زلنا نستفيد من ثمار كدّ العلماء المسلمين القدماء.
Learn English, Spanish, and other languages for free with the HiNative app